ابن الأثير
777
أسد الغابة ( دار الفكر )
وروى جرير بن حازم ، عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعنا بالنبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ونحن في مال لنا ، فخرجنا هرابا قال : فمررت بقوائم ظبي فأخذتها وبللتها - قال : وطلبت في غرارة [ ( 1 ) ] لنا ، فوجدت كف شعير ، فدققته بين حجرين ، ثم ألقيته في قدر ، ثم قصدنا عليه بعيرا لنا فطبخته ، وأكلت أطيب طعام أكلت في الجاهلية ، قال قلت : أبا رجاء ، ما طعم الدم ؟ قال : حلو . وقال أبو عمرو بن العلاء : قلت لأبى رجاء العطاردي : ما تذكر ؟ قال : أذكر قتل بسطام بن قيس . قال الأصمعي : قتل بسطام قبل الإسلام بقليل . وقيل : إنه كان قتله بعد المبعث ، وهو معدود في كبار التابعين ، وأكثر روايته عن عمر ، وعلى ، وابن عباس ، وسمرة . وكان ثقة ، روى عنه أيوب السّختيانى ، وغيره . وقال أبو رجاء : كنت لما بعث النبي أرعى الإبل وأخطمها . فخرجنا هرابا خوفا منه ، فقيل لنا : إنما يسأل هذا الرجل - يعنى النبي صلى اللَّه عليه وسلم - شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، وأن محمدا رسول اللَّه ، فمن قالها أمن على دمه وماله . فدخلنا في الإسلام . أنبأنا أبو جعفر بن السمين بإسناده عن يونس بن بكير ، عن خالد بن دينار قال : قلت لأبى رجاء العطاردي : كنتم تحرمون الشهر الحرام ؟ قال : نعم ، إذا جاء رجب كنا نشيم الأسل ، أسنّة رماحنا ، وسيوفنا أعكام [ ( 2 ) ] النساء ، فلو مرّ رجل على قاتل أبيه لم يوقظه ، ومن أخذ عودا من الحرم فتقلده ، فمر على رجل قد قتل أباه لم يحرّكه [ قلت : ومثل من ] [ ( 3 ) ] كنت حين بعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : كنت أرعى الإبل وأحلبها . وتوفى أبو رجاء العطاردي سنة خمس ومائة ، وقيل : سنة ثمان ومائة ، وعاش مائة وخمسا وثلاثين سنة ، وقيل : مائة وعشرين سنة . وكان يخضّب رأسه ، ويترك لحيته بيضاء . واجتمع في جنازته الحسن البصري والفرزدق الشاعر ، فقال الفرزدق للحسن : يا أبا سعيد ، يقول الناس : اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم ! فقال : لست بخيرهم ولست بشرهم [ ( 4 ) ] ، ولكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، وأن محمدا رسول اللَّه ، وقال :
--> [ ( 1 ) ] في المطبوعة : « عذارة » . والصواب عن الاستيعاب ، ومخطوطة دار الكتب « 111 » مصطلح حديث . [ ( 2 ) ] الأعكام : جمع عكم - بكسر فسكون - : ما يوضع فيه المتاع . [ ( 3 ) ] ما بين القوسين عن مخطوطة دار الكتب « 111 » مصطلح حديث ، ومكانه في المطبوعة : « وقيل ما » . [ ( 4 ) ] في الاستيعاب 3 / 1211 : « فقال الحسن : أنت خيرهم وشر كثيرهم » .